النشرةبارزتحليلات

بايدن والتحولات السياسية القادمة في الرياض

مرآة الجزيرة ـ محمد البقشي

شهدت العلاقات السعودية الأمريكية تقدماً لافتاً خلال فترة حكم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. وهو الأمر الذي جعل الأخير يتغاضى عن العديد من الملفات التي ترتكب فيها الرياض انتهاكات سافرة، ليس من منطلق أنه الحريص على حقوق الشوب ومصيرها، إنما من منطلق الإلتزام بالشعارات التي تطلقها بلاده وتدعي حراستها أمام جميع دول العالم. اليوم، ومع تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن، ثمّة العديد من التغيّرات التي ستطرؤ على مستوى العلاقات بين الرياض واشنطن، حاملةً معها تحوّلات سياسية بارزة يبدو أنها دخلت في حسبان الرياض.

بدايةً، ومع التسليم بأن ضرورة استمرار العلاقات السعودية الأمريكية ضرورة ملحّة للطرفين، فإن التحولات القادمة ستكون بلا شك أقل من انقطاع وأكثر من متوترة، بمعنى أن شهور العسل التي قضتها الرياض مع واشنطن خلال فترة ترامب انتهت، لتعود إلى سابق عهدها خلال فترة باراك أوباما، شريطة عدم القطيعة التامة، وهو ما عبّر عنه بايدن في ما وصفه “بإعادة تقييم العلاقات مع المملكة”. الرياض تدرك جيداً أن بايدن سيكون غير متساهلاً معها، فضلاً عن أن الرجل سيكون منهمكاً بحل مشاكله الداخلية قبل كل الإعتبارات الأخرى، وهو ما يدفع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى تقديم تنازلات مسبقة لإستقطاب الإدارة الأمريكية الجديدة.

ثمّة عدّة ملفات تطرحها الإدارة الأمريكية الجديدة على الطاولة، مبينةً الخطوات التي ستقدم عليها في شأن هذه الملفات والتي لن تكون مؤاتية لصالح الرياض بطبيعة الحال، وهو ما يضعها أمام تحدّيات ليست سهلة. وأولها العدوان السعودي على اليمن. مؤخراً أعلن فريق بايدن “إعادة النظر فوراً” في قرار تصنيف حركة أنصار الله “منظمة إرهابية”، وبوقف الدعم العسكري “للسعودية” في العدوان الذي تشنّه على اليمن.

وفي تصريح له، قال مرشح بايدن لمنصب وزير الخارجية أنتوني بلينكن إنه سيعيد “النظر فوراً في قرار وزير الخارجية المنتهية ولايته مايك بومبيو حول تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية”. وأوضح خلال جلسة المصادقة على تعيينه في المنصب في مجلس الشيوخ “سنقترح إعادة النظر فوراً بهذا القرار لضمان عدم إعاقة وصول المساعدات الإنسانية”. وقال: “أوضح الرئيس المنتخب أنّنا سننهي دعمنا للحملة العسكرية السعودية في اليمن”، مضيفاً “سنفعل ذلك بسرعة كبيرة”.

في تطوّرٍ آخر، تعهّدت المرشحة لمنصب رئاسة جهاز الإستخبارات الوطنية الأميركية، أفريل هاينس، بتقديم ملف التحقيق في قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي إلى الكونغرس ورفع السرية عنه. وخلال جلسة استماع تحضيرية للتصويت على الموافقة على ترشيحها للمنصب، سأل السيناتور الأميركي، رون وايدن، المرشحة هاينس إذا كانت ستوافق على رفع السرية عن ملف التحقيق في القتل الوحشي لجمال خاشقجي وإبلاغ الكونغرس الأميركي عن المسؤولين عن قتله، قالت هاينس “نعم بالتأكيد وفقاً للقانون”. يأتي ذلك بعد التستر والدعم الواضح الذي مارسته إدارة ترامب لحماية محمد بن سلمان في قضية خاشقجي، رغم التسريبات التي كشفها تقرير الإستخبارات المركزية الأميركية، والتي تبين أن ابن سلمان مسؤول عن قتل خاشقجي.

مخاوف “السعودية” بشأن السياسات الخارجية الأمريكية المتوقعة، تمتد إلى إيران. إذ تحدث بايدن عن نيته العودة إلى الاتفاق النووي المبرم عام 2015 مع إيران، والذي تم التفاوض عليه أثناء شغل بايدن لمنصب نائب الرئيس السابق باراك أوباما، خاصة أن الرئيس الإيراني حسن روحاني، أعرب خلال اجتماع اللجنة الوطنية لمكافحة كورونا في إيران، عن أمله في “خضوع الإدارة الأمريكية القادمة للأنظمة والقوانين وعودتها لجميع التزاماتها”، حسبما أفادت وكالة تسنيم الإيرانية للأنباء.

وأيضاً عبّر النائب الأول للرئيس الإيراني إسحاق جهانجيري عن ارتياحه برحيل ترامب وقال “وأخيراً مع إعلان نتيجة الانتخابات الأمريكية انتهى عهد ترامب وفريقه المغامر والداعي للحرب”، مضيفا أن “سياسات ترامب كانت مبنية على انتهاك المعاهدات الدولية”، وفقاً لما نقلته وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية (إرنا). وبالتالي، هذا التقارب بين واشنطن وطهران، يثير هلع الرياض، التي بذلن جهوداً مضنية لممارسة العدائية ضد إيران بمختلف الأساليب الممكنة.

ولكن على أي حال، يبقى الحديث عن قطيعة أو تدهور العلاقات بين “السعودية” والولايات المتحدة هو أمر مبالغ فيه وبعيد عن الواقع، ذلك أن العلاقات الأمريكية السعودية قديمة وتمس المصالح السياسية والاستراتيجية للطرفين، لذا لن يكون بوسع طرف التخلي عن الآخر، ولكن سيكون بمقدار الإدارة الأمريكية كبح جماح ابن سلمان وضبط وتيرة تفّلته في العديد من الملفات السياسية العالقة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى