ــالنشرةمقالات

استدارة لافتة في مواقف الرياض.. إلى الشرق دُر؟

خاص مرآة الجزيرة – زينب فرحات

حتى وقتٍ قريبٍ جداً، كان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، يطلق مواقفاً سلبية تجاه طهران، مؤكداً فيها رفضه القاطع لإجراء أي تقارب من الدولة التي لطالما حاولت تقصير المسافات ومد الجسور نحو الرياض. اليوم، وفي إطار جملة من التطورات الدولية والإقليمية يخرج ابن سلمان لمخاطبة إيران بتودّدٍ غير مسبوق، وهي خطوة تأتي في سياقٍ جديد للسياسات السعودية تجاه سوريا واليمن أيضاً.

خلال حديثه الأخير، في برنامج “الليوان” على قناة “روتانا خليجية”، أثنى ولي العهد السعودي، على إيران بكلمات طيبة، وقال إن “إيران دولة جارة وكل ما نطمح له أن يكون لدينا علاقة جيدة ومميزة مع إيران”. ليس ذلك فحسب، بل أكد أيضاً أنه لا يريد أن يكون وضع إيران صعب، على العكس “يتمنى أن تكون إيران مزدهرة وتنمو.. ويكون لدينا مصالح فيها ولديهم مصالح في السعودية، لدفع المنطقة والعالم للنمو والازدهار”.

من إيران، انتقل محمد بن سلمان إلى اليمن، مبدياً استعداده لإجراء حوار مع أنصار الله، وقال: “نتمنى أن يجلس الحوثي على طاولة المفاوضات للوصول لحلول تكفل حقوق الجميع.. الحوثي في الأخير يمني ولديه نزعة عروبية نتمنى أن تحيى فيه بشكل أكبر ويراعي مصالحه ومصالح وطنه”. وهي نقلة نوعية في الخطاب السعودي، بعدما كان ابن سلمان يتفاخر بقدرته على “اجتثاث الحوثي” من اليمن بوقت قياسي، وبعدما أعلن صراحةً في حوار مع مجلة “التايم” الأمريكية أن بلاده تعمل على إحداث انقسام في صفوف “أنصار الله” في اليمن.

تصريحات ابن سلمان تزامنت مع خطوة دبلوماسية متقدمة تجاه دمشق، إذ زار أخيراً، وفد سعودي برئاسة رئيس جهاز المخابرات الفريق خالد الحميدان العاصمة السورية. الوفد التقى وفق مصادر دبلوماسية بالرئيس السوري بشار الأسد ونائب الرئيس للشؤون الأمنية اللواء علي المملوك، على أن يعود الوفد إلى سوريا في زيارة مطولة بعد عيد الفطر المبارك. المصادر كشفت أنه بعد الزيارة، جرى الإتفاق على إعادة فتح السفارة السعودية في دمشق، كخطوة أولى لاستعادة العلاقات في المجالات كافّة بين البلدين. وأشارت إلى أن الوفد السعودي أبلغ مُضيفيه السوريين بأن بلاده “ترحّب بعودة سورية إلى الجامعة العربية، وحضور مؤتمر القمة العربية المقبل في الجزائر في حال انعقاده”.

يأتي ذلك، بعد لقاء سرّي سعودي إيراني في العاصمة العراقية بغداد، فقد نقلت صحيفة “فايننشال تايمز” عن أحد المسؤولين تأكيده أن الجولة الأولى من المحادثات السعودية الإيرانية جرت في بغداد في 9 أبريل/ نيسان الحالي، وتضمنت مباحثات بشأن هجمات أنصار الله على “السعودية”، وكانت إيجابية. المسؤول بيّن أن الوفد السعودي كان بقيادة رئيس المخابرات خالد بن علي الحميدان، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه كان من المقرر عقد جولة أخرى من المحادثات الأسبوع المقبل. وأشار المسؤول نفسه إلى أن “المحادثات تتحرك بوتيرة سريعة، لأن المحادثات الأميركية، المتعلقة بالاتفاق النووي، تتحرك بسرعة أيضاً، فضلاً عن تكثيف الحوثيين في اليمن هجماتهم باتجاه المملكة”.

مواقف محمد بن سلمان تزامنت مع مستجدات بين إيران والصين والولايات المتحدة، بالإضافة إلى تكثيف الضربات اليمنية التي استهدفت مواقع ومنشآت حيوية في “السعودية”، أحدثها تنفيذ هجوم جوي بطائرات مسيرة مفخخة على قاعدة الملك خالد الجوية وشركة “أرامكو” النفطية في المقابل عجز سعودي واضح عن تحقيق أي تقدم يذكر في إطار الحرب. بمعنى أوصح، عقب تأكيد احتمالات تمخض محادثات فيينا عن إحياء الإتفاق النووي الإيراني، ورفع العقوبات الأمريكية عن إيران، تغيّرت الحسابات السعودية كلياً وباتت قيادتها تسعى لتحسين علاقاتها مع المحور الإيراني السوري وتطبيع العلاقات بين طهران والرياض وبالتالي البحث عن حلول جدية للمأزق السعودي في اليمن.

الإتفاقية الإيرانية الصينية التي وقعت في مارس/ آذار الماضي، هي الأخرى عامل اساسي في تغيير الموقف السعودي، إذ يُرجّح أنها ستعطي لطهران ما يكفي لتعزيز قدراتها الإقتصادية في مواجهة تداعيات العقوبات الأمريكية التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترامب، إلى جانب تمسكها بثنائية العودة إلى اتفاقية الملف النووي في مقابل رفع العقوبات الأمريكية أولاً. فضلاً عن أنها ستساعد بشكل لافت على مواجهة الضغوطات الداخلية في إيران نتيجة تدني المستوى المعيشي والأزمة الإقتصادية الخانقة، فهناك نحو 400 مليار دولار تتكفل بها الصين لإنعاش خطة تنموية طويلة الأمد تشمل جميع القطاعات الاقتصادية الإيرانية، في مقدمتها قطاع الطاقة. والجدير بالذكر هنا، تسارع وتيرة التقدم في العلاقات الإقتصادية والسياسية والثقافية كذلك بين الرياض وبكين خلال السنوات الأخيرة في إطار “تدعيم رؤية 2030”. وحديثاً، نقلت مصادر لوكالة “رويترز”، أن “مستثمرين صينيين كباراً يُجرون محادثات لشراء حصة في أرامكو السعودية، في الوقت الذي تستعد فيه شركة النفط لبيع شريحة أخرى من أعمالها لمستثمرين دوليين”.

ثمّة أيضاً حسابات سياسية جديدة لدى إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تقضي بتقليص الوجود الأمريكي العسكري في المنطقة، فقد تم سحب 3 بطاريات على الأقل من منظومات “باتريوت” الصاروخية للدفاع الجوي، إحداها من قاعدة الأمير سلطان الجوية في “السعودية” وفق ما كشفته صحيفة “وول ستريت جورنال”. إلى جانب دراسة سحب طائرات استطلاع مسيرة ومنظومات مضادة للصواريخ، قد يعاد نشرها في مناطق أخرى، في إجراء موجه ضد الذين يعتبرهم المسؤولون في البنتاغون كبار خصوم الولايات المتحدة على مستوى العالم، بمن فيهم الصين وروسيا.

هكذا تكون الإستدارة السعودية قد بنيت على تغييرات سياسية وعسكرية لافتة قد تغيّر وجه المنطقة بأكملها خلال السنوات القادمة. حضور صيني قوي، وانسحاب أمريكي تكتيكي، يصاحبه حضور إيراني متصاعد بعد إحباط مشروع إسقاط إيران إقتصادياً، بالإضافة إلى خطر داهم من اليمن، يستهدف المنشآت النفطية والحيوية الأمر الذي يهدّد الإقتصاد السعودي، خاصة مع استنزاف الخزينة في شراء الأسلحة الأمريكية والأوروبية لاستخدامها في معركة اليمن الخاسرة. هنا، وجد محمد بن سلمان نفسه وحيداً، فهل أدرك حساباته الخاطئة وسارع قبل فوات الأوان للتوجّه شرقاً؟

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى